غير مصنف

يارا وائل بوفي تكتب:صرخة ألم

يارا وائل بوفي تكتب:صرخة ألم

 

يارا وائل بوفي

أراكَ عُدتَ مُنهكًا من معركتكَ اليوم ، عُدتَ مُستنزِفًا مُعظمَ قِواكَ ، عُدتَ هش الرّوحِ و الجسد ، لا تقوى حتّىٰ علىٰ الوقوفِ في وجه الرّياح ، تحاولُ التقاطَ آخرَ أنفاسٍ لكَ ببطء ، تودُّ لو أنّ العالمَ يصمت و لو لدقائق ، تسعىٰ ما أمكن إلىٰ سماعِ صوتكَ الدّاخلي الّذي يصرخ ألمًا في صدرك ، صوتُكَ الّذي يُناديكَ للنّجاة ، تُقفِلُ عليه أبوابَ قلبك و تحاولُ كتمه ، مُدّعيًا أنّ هذه هي القوّة الّتي يُفترضُ عليكَ أن تتسلّح بها ، كأنّكَ قنبلةٌ موقوتة مستعدةٌ لتدميرِ نفسها و العالم ، و بطريقةٍ ما تُبكيكَ نسمةٌ بمجرّد ملامستِها لوجهك ، ضجيجُ ازدحامِ أفكاركَ يعلو رويدًا ، و تدافُعِ ذكرياتكَ في ذاكرةٍ مُتشظيّة يقودُكَ للجنون ، تحاولُ الانعزال لعلّك تجدُ شفاءً لروحك ، يشدُّكَ اللّون الأسودُ كثقبٍ بطريقةٍ أنانيّة تجعلُكَ دائمَ الاختيارِ له ، تطرحُ على نفسكَ العديدَ من الأسئلة الّتي ليس لها من جدوىٰ إلّا مُحاولةُ تشتيتِكَ و فَقدِكَ الصّواب في الأجوبة الوهميّة ، ينحسرُ فِكرُكَ تلقائيًا علىٰ بناءِ حواجزِ الخوف ، و يبدأُ العزفُ على أعصابٍ مُحقنةٍ بالقلقِ و الأرق ، يقولُ طبيبيَ النّفسيّ أنّي لستُ مجنونة ، في الحقيقة لا أدري عدد الأيّام الّتي لم أنظرْ فيها لوجهيَ في المرآة ، لا أدري ما كان لديّ من قُمصانٍ ملوّنة ، فقد اعتَدتُّ لونًا واحدًا ، لا أدري متىٰ كانتْ آخرَ مرّةٍ تحدّثتُ فيها مع صديقيَ المُفضل ، لا أدري متىٰ كانتْ آخرَ مرّةٍ استمعتُ فيها لأُغنيتي المُفضلة ، تُرىٰ هل كان لديَّ أُغنيةٌ مُفضلة من الأصل ؟
أنا الآن لا أعرفُ نفسي في المرايا و لا أكترثْ لشكلي ، لا أُميّزُ الألوانَ و أعتادُ لونًا واحدًا ، أتحدّثُ مع نفسيَ مرارًا و تكرارًا ، أجلِسُ في زاويةِ غُرفتي ذي الجدرانِ الباهتة ، تعرّضتُ لعدّة صدماتٍ عاطفيّة و انهياراتٍ عصبيّة ، خسِرتُ أحبَّ النّاس إليّ ، أُصبتُ بوعكات صحيّةٍ عديدة و دخلتُ المُستشفىٰ لأكثرَ من مرّة ، اعتزلتُ ما أحببتهُ لشهور حتّىٰ فقدتهُ بالكامل ، تداعىٰ مستقبلي أمامَ عينيَّ و بقيتُ مكتوفةَ الأيدي أُراقبُ من بعيدٍ فحسب ، يُطلقُ الآخرون على هذه الحالة بِ ” التوحّد ” بدلَ ” الوحدة ” هم لا يعرفونَ معنى الكلمةِ من الأصل ، اعتدتُّ مُنذُ صغري بأنّ أُنادى ” بالمُعقّدةِ النّفسية ” ، و مازال طبيبي يُخبرني بأنّي لستُ مريضة و بخير .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى